الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
24
نفحات القرآن
ومن جملتها الآية التي هي مورد بحثنا ، فبعد أن ذكر القرآن المجيد ثلاثة أمور مهمّة هي ( مسألة خلق الإنسان من التراب ، والتطوّرات المختلفة للجنين ، وإحياء الأرض بعد نزول الغيث ) قال تعالى : « ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَانَّهُ يُحْىِ الْمَوْتَى وانَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ » . « الحق » : يعني الواقع والثبوت ، والتعبير السابق - على حد قول « الميزان » يُشير إلى أنَّ اللَّه عز وجل هو عين الواقع لا أنّه وجودٌ له واقع ، إنّه عين الثبوت والواقع ، وبالأحرى أنَّ واقعية وثبوت كل شيّ في العالم مترشح من فيض وجوده « 1 » . وما يقابل الحق هو الباطل ، فإنّه لا واقع ولا ثبوت له ، بل هو خيالٌ وظنٌ باطل وسرابٌ لا غير . والملفت للنظر في هذه الآية هو الأمور الثلاثة المذكورة أعلاه ( خلق آدم من التراب ، وتطورات الجنين ، واحياء الأرض الميّتة ) فإنّها جاءت كدليل على إثبات المبدأ الأول أي إثبات أصل وجود اللَّه ، وعلى إثبات المعاد وإثبات صفات اللَّه ( مثل القدرة ) . إنّ هذه التغيّيرات الواسعة والمهيمنة على كل موجودات العالم هي في الواقع دليل على وجود محورٍ ثابت في عالم الوجود ، وهذا النظم العجيب الذي يُهيمن على الظواهر المختلفة هو دليلٌ على حكمة وقدرة ذلك المحور ، وتدلّ كل هذه الأمور بوضوح على إمكان الحياة بعد الموت . وكما أشرنا سابقاً بأنّ تعبير « احياء الموتى » ورد بشكل واسع في آيات المعاد ، فإنّ هذا التعبير يدلّ بوضوح على كون المعاد جسمانيّاً ، لا عودة الروح فحسب ، بل يعاد في الآخرة الجسم المتعلق بها أيضاً ( ولكن على مستوىً أعلا وأرقى كما ستأتي الإشارة إليه لاحقاً ) فلو كان المعاد بالروح فقط لما كان للحياة الآخرة مفهوم أصلًا ، لأنّ الروح بعد انفصالها عن البدن تستمر في الحياة وتحافظ على بقائها . 3 - البعث ومن التعابير الأخرى التي وردت في آيات القرآن عن القيامة هو « البعث » ، ففي الآية
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج 14 ، ص 378 .